الارشيف / مجتمع / sasapost - community

ساسة بوست | ليس موتًا رحيمًا.. كما اعتقدنا!

تقرير منقول من ساسة بوست

نعتقد أننا أقوياء أمام الموت؛ نحن الذين كان أقرب لقاء لنا معه زكام حاد  أقعدنا الفراش، ثم شُفينا منه بكأس «بابونج» صنعته أمهاتنا. إن قوتنا التي صنعتها مخيلاتنا، هي نتيجة صورة وهمية رسمناها عن عملية الموت. أنظن فعلًا أن الأمر بهذه البساطة؟ أننا نكون؛ ثم لا نكون؟ لا. إننا نَمُر بعملية موتٍ معقدة فيها مراحل عدة (والمعنى ليس مجازيًا)، ووصولنا لآخر مرحلةٍ هو وصولنا إلى النقطة التي أصبحت فيها أجسادنا لا تملك ما يكفي للحفاظ على «حياة ذات نوعية»؛ كما يسميها الأطباء. بحياة ذات نوعية، يقصدون فقدان القدرة على أي نوع من التواصل مع العالم الخارجي: لا نسمع تنهدات الحاضرين في غرفنا، لا نحنو عليهم لنخفف آلام رحيلنا عنهم ولا نشعر بشيء؛ فقط لا نشعر!

سنمُرُّ جميعا بنفس الطريق إلى نهاية النفق، إلاّ أننا لـن نصل هناك بنفس السرعة؛  فبينما يسقط (خالد) عن سطح تلةٍ ما ليتوقف قلبه في الهواء؛ ويمر بعملية الموت بأكملها في 8 دقائق؛ (ماري) ستقبع في المرحلة ما قبل الأخيرة ثلاث سنين بينما يقبع «سمير» مدة  تسعة أشهر.. تطيل هذه المدة ماكينات مستشفى موحشة أمضى فيها «جاكسون»، مدة أطول مما أمضى في منزله؛ ليصل إلى نهاية الطريق سنوات بعد ذلك. ما السؤال إذن؟ السؤال الذي يؤرق نخبة المفكرين والحقوقيين والأطباء يدور حول أحقية «محمد» الذي أمامه رحلة موت طويلة معروفة نهايتها في اختصار المراحل ودموع أمه وحول شرعية ذلك. أما السؤال الذي يؤرقني فهو أحقيتنا نحن الأصحاء الجاحدون أن نحكم على «محمد»، ونعاتبه «دون أدنى تخيل لحقيقة الأمر»، إن هو اختار ذلك.

لأكون منصفة، دون أن أكون موضوعية، فالموضوعية لم تُخْلق لموضوع كهذا؛ إن فكرة «الموت الرحيم»، مرفوضة باسم كل المسميات الإنسانية اليوم: تُدينها الديانات السماوية بأجملها، وتعتبرها اعتداءا على الروح الآدمية المقدسة؛ يدينها القانون الدولي معتبرًا إياها جريمة قتل من الدرجة الثانية؛ تدينها المعايير الأخلاقية لمهنة الطب ومجلس الأطباء؛ يدينها العالم بأسره! فلماذا إذن علينا أن نناقش موضوعًا ممنوعًا دينيًا وقانونيًا؟ لماذا علينا أن نجعل من أمـرٍ شخصي كهذا محورًا لجدل أُممي طويل؟ لماذا؟ لأن تَفَهُّم موقف «موسى» الذي اختار أن يموت موتًا رحيمًا؛ أهم من أن نحاول فرض أرائنا لمحاربة رأيه. من أين أتينا بمطرقة لنحاسب «تايلور» أيضا؟ من أين؟

لا أنتظر جوابًا، بل لنتبادل الأدوار قليلًا؛ فلنكن «ياسمين» الجميلة صاحبة 89 سنة؛ والتي لا تتذكر أنها جميلة، لأنها بلغت آخر مراحل الالزهايمر. (ياسمين) فقدت قدرتها الحركية وتجاوبها مع العالم إضافة إلى فقدانها ذاكرتها قصيرة وطويلة الأمد. ياسمين أصبحت – في نظرها – عالة على عائلة بأكملها؛ تلك التي لا تستطيع أن تميزها هي من بين فرق الأطباء والمرضين. هل تلوم ياسمين؛ لأنها طلبت من زوجها أن يفعل هذا من أجلها؟

إن كنت تفعل؛ تخيل نفسك «إسكندر» الذي أحب الغوص تحت المياه يومًا ما؛ لكن ليس الآن. «إسكندر» التحق بآخر مراحل سرطان الرئة وهو -إضافة إلى ضمور عضلاته، ووهنه الجسدي الذي غير ملمحه بشكل كلي- يغرق في سوائل رئتيه يوميًا. يُفْرَغ صدره منها مرات عدة في اليوم الواحد؛ ولن يطول الأمر قبل الغرق الأخير. «إسكندر» أيضًا يحس بتعب دائم وخجل تجاه عائلته التي يتطلب نَفَسُهُ الواحد كل مدخراتها. هل تلوم «إسكندر»، إن أراد أن يغرق بسلام؟

إن كنت تفعل؛ فعليك أن تتذكر أنك لست «صونيا»، ولا «إيميل»، ولا «خديجة». لست مصابًا بالـ«باركنسون» ولا «السيدا» ولا «الشلل الدماغي» ولا «اللوكيميا»، لست واحدًا من ملايين الأشخاص الذين ينتظرون حتفهم على أسرة مستشفيات غرباء هم فيها، وفي فترة الانتظار لا يستطيعون القيام بشيء، سوى الانتظار!

إن كنت تفعل؛ فعليك أن تفهم أن حروبًا كهاته، يخوضها بشر عاديون في ظروف غير عادية، بشر لا تعبر عنهم الإحصاءات، ولا المناقشات الموضوعية للموت الرحيم. بشر كانت لهم حياة من قبل وتخليهم عن مراحل من موتهم، ليس إلا دليلًا على حبهم للحياة. عليك أن تفهم أننا نحن برفاهية صحتنا لا نستطيع استيعاب ظروفهم، مهما حاولنا ادعاء ذلك.

إن كنت تفعل؛ فعليك أن تدرك أننا على الرغم من اختلاف آرائنا علينا أن نتفهم قرار شخص مات كل ما فيه جسديًا ومعنويًا، عندما فقد قدرته على الابتسام!

الأمر في الختام بسيط للغاية؛ ورسالتي ليست ثورية كما تبدو. فلست أطلب منك أن تخرج مطالبًا بحق المتألميـن الذين دخلوا عملية الموت في تسريعها؛ ولا أطلب منك أن تخون اعتقاداتك الخاصة، لا أطلب منك حتى أن تؤيد فكرة الموت الرحيم. فأنا أيضا؛ ككل البشر، تجعلني طبقة ضعفي البشري متعاطفة مع الذين تضطرهم الآلام إلى عدم الانتظار؛ وتجعلني طبقات أكثر منطقية تغطيها من أخلاقيات مهنة الطب وإيماني بالشريعة الدينية، وضميري الإنساني أرفض أن أتقبل قيام  الإنسان بهذا.

لكنني؛ وبكل هته الطبقات؛ بكل ذرة في كياني أتفهم «الإنسان» هنا وأتفهم أن يطلب ذلك. وأدعوك؛ سواء أنت الذي ترحب بفكرة الموت الرحيم أو تغلق الباب في وجهها أن تريح عن قلبك ثقل هذه الجدلية الطويلة؛ وأن تكتفي بأن «تتفهم» ذلك أيضًا. وأن ترى الإنسان المحاط بهالة السواد هناك كما هو مجرد إنسان! فهناك في مكان ما؛ مريض بنفس اسمك؛ في آخر مراحل الـ«هانتينتون»؛ بعد أن استنفذ كل أوراق نجاته؛ لا يحتاج موافقتك أو معارضتك؛ تماما كما لا يحتاج تجريمك له؛ هو فقط بحاجة لتفهمك… ستجد أن ذلك لا يعارض إيمانك، ولا معتقداتك، بل أن ذلك يصطف مع أكبر معتقد فيها: تقديس الإنسانية أولًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

ملحوظة: مضمون هذا الخبر نقل من sasapost - community من خلال الرابط التالي sasapost - community ولا يعبر عن وجهة نظر خبر 24 وانما تم نقله بمحتواه كما هو ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا