الارشيف / مجتمع / sasapost - community

ساسة بوست | محكمة

تقرير منقول من ساسة بوست

حكمت المحكمة غيابيًا على كل من ماتوا في قارب رشيد بالرجوع للحياة والمثول أمام عدالتها؛ لتحكم إذا كانوا مذنبين وأخطئوا أم لا.

هكذا أصبحت آراؤنا على صفحات «التواصل الاجتماعي» دائمًا ما تكون أحكام، يطلق أحدهم النيران على جثمان هؤلاء، بأنهم اتخذوا قرارًا خاطئًا في السفر غير الشرعي؛ مما أدى لموتهم، حين يخرج آخر ليدافع عنهم؛ لأنهم شهداء الفساد، ولكن قبل أن نرتدي عباءة القضاة ونحكم على هؤلاء الموتى لنضع كل الآراء، ونكشف كل الأوراق أمامنا، ونرى ما هي الحجج وما تقابلها من حجج معاكسة، لكي نستطيع أن نحكم بالعدل.

سنأخذ أولًا الحكم الذي يقول بأنهم شهداء الفساد والجوع، فمن سيقدم على بيع كل ما يملك من أجل السفر عبر البحر طمعا في حياة أفضل، في جو أنقى، في تعليم أفضل وأكثر مساواة لأطفاله، في فرصة أكبر من عدم الإصابة بفيروس «سي»، أو «السرطان»، أو إيجاد حياة أدمية مع بشر يحترمون الحدود الخاصة، ويحافظون على الكرامة  الإنسانية.

فإذا حاول أحدهم عدم اتخاذ قرار السفر، وأن يبدأ العيش وفتح مشروع، فعليه أن يدع تحت «الطربيزة» لكل موظف سيقابله – إلا من رحمه ربي – وعندما يبدأ العمل يجد الضرائب تتساقط عليه من حيث لا يدري، تفتح فمها ولا تغلقه، فلا تشبع ولا تريده أن يأكل.

وإذا ذهب ليعمل في حرفة في إحدى الورش، فلن يكون هناك تأمين صحي أو تأمين اجتماعي، ولا يريد أن يضع أن يدفع من اليومية جزء للتأمينات، فلا يريد أن يزيد همًا فوق همه.

هذا إذا استطاع أن يجد شقة، فالشقق الآن أحد العقبات التي تواجه الشباب في تكوين أسرة، وفرقت الكثير من قصص الحب، وحطمت على قاعدتها الفولاذية الكثير من الأحلام، ومات الزواج اسفل قطار التجهز والنيش والشبكة والكثير من الأشياء التي صنعها مجتمع فقير وجاهل ومشوه.

أهم حقًا أخطئوا؟ بعد كل تلك الحجج من فساد قد غزا مجتمعًا كان يعرف عنه التحضر والتعليم الثقافة، أم أنه مجرد اختيار؟

فلقد قرروا أن يهربوا على متن مركب انتهت صلاحية إبحاره منذ فترة ليست بقصيرة، لتغزو البحر وتواجه الأمواج والعواصف من أجل الوصول لأرض الأحلام، هل اعتادوا استخدام كل شيء منتهي الصلاحية من مياه اختلطت بالصرف الصحي، وقطار ينقلب أو يدهس كل من يعبر المزلقان بلا تردد، أو بمنازل بلا أساس، أو أبراج مخالفة، تعليم انتهت صلاحيته، مستشفيات مليئة بالقطط.

ولكن ذلك ليس دافعًا كافيًا للسفر عبر مركب غير قادر على الطفو حتى، إذا أردنا حقًا أن نحاكم، فسوف أحاكم من ترك تلك المركب، وسمح لها بأن تفكر حتى في السفر بشبابنا، أحاكم كل مسئول لم يستطع أن يمنع الكارثة قبل وقوعها، الهرب من أرض أصبح حلمًا عند الفقراء، ومن وجهة نظرهم أنه حلم، وليس جريمة، فالهرب بالنسبة لهم كالقشة التي تنقذهم من الغرق في الفقر أكثر، يتمسكون بأملهم الوحيد ويتشبثون بها حتى يستطيعوا أن يكملوا حياتهم.

مركب رشيد ليس النهاية، بل البداية، والهجرة لن تنتهي، وشبابنا أصبح يموت في كل مكان بلا سبب، بلا هدف، بلا أمل، ينتظر من أحدهم أن يفتح له أبواب العمل، يوجهه لطريق البداية فشبابنا تائه وسط زحمة الفكار.

فهؤلاء الشباب لم يتخذوا قرارهم بالسفر غير الشرعي، بل كان ذلك هو الباب الذي فتحه أمامهم سماسرة الأرواح، والقتلة، فمن أخذ قرار ذلك الطفل بركوب المركب، فلم يتخذ قراره في المجيء للحياة أو فراقها، فأقصى أحلامه لعبة جديدة.

وهذا يدل بأن أحكامنا ليست على حق؛ لأن هناك مئات القصص ومئات الأسباب الخفية التي دفعت كل منهم لاستخدام أسرع وسيلة للخروج من الجحيم؛ أملًا في الحياة، وليس الموت.

لا تحكموا على من اتخذ قرارًا، ولا يعرف عواقبه، بل حاكموا كل من سولت له نفسه بأنه قادر على السفر بتلك المركب لأوروبا، من قبطان وصاحب المركب، حاكموا كل الأسباب التي أدت لذلك حاكموا الظروف، حاكموا الفقر والمرض والخوف، لا تحاكموا هؤلاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

ملحوظة: مضمون هذا الخبر نقل من sasapost - community من خلال الرابط التالي sasapost - community ولا يعبر عن وجهة نظر خبر 24 وانما تم نقله بمحتواه كما هو ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا