مجتمع / sasapost - community

ساسة بوست | انتظار سعادة لا تأتي

تقرير منقول من ساسة بوست

ادعي لي بالسعادة!

قالتها إحدى صديقاتي الأثيرات بعد أن أرعبتها بقصةِ تحقق دعاء لي بعد عام ونصف، بدت لها الروايةُ كأنها سحرٌ أقوم به، فما كان منها إلا أن طلبت مني أن أدعو لها، قلت سأطلب أن تأتيكِ منحةٌ دراسية، وأن تسافري، وتعيشي حرة، لأن هذا ما أعرفه عن أحلامها، فقالت بل ادعي لي بالسعادة.

في الماضي كان من السهل علينا أن نقول أن حدثًا بعينه سيجعلنا سعداء، كنا نتمنى بإفراط، ونسعى بكل قوة. رقمٌ بعينه في الثانوية العامة، كليةٌ بذاتها هي التي ستجعلني راضية لو كنت من المقبولين بها، رحلةٌ إلى مكانٍ ما، نزهةٌ مع مجموعة بعينها من الأصدقاء، وغيرها من أماني المراهقة. كان الأمر غاية في البساطة والبدائية، لو ابتعت هذا الحذاء حتمًا سأكون سعيدة. فمتى بدأ كل هذا التعقيد؟

لا أبالغ إن قلت أنه قد بدأ بالنسبة لي بعد الثورة؛ خرجَتِ الأمورُ من حيزِ الفرديةِ رويدًا رويدًا. صار هناك ما يُسبب القلق خارج الأسرة والأصدقاء ومحيط العمل. شيءٌ أحيانًا يشبه متابعة فريقك المفضل في إنجلترا. لطالما تساءلت لماذا أصاب بكل هذا الغم لأن أرسين فينجر مدرب فريق أرسنال قد استطاع أن يهزم مانشستر يونايتد في ذلك اليوم؟ ماذا لو احترقوا جميعًا؟ أستتغير حياتي حقًا؟ بالنسبة لكثير من الناس لم تكن حياتهم لتتغير بشكلٍ مباشر بسبب الثورة. بالنسبي لي أنا خاصة لم تكن لتتغير بأي شكل من الأشكال الفورية ولا خلال عشر سنوات. ولكنني انخرطت في الاهتمام بها، وتوغلت روحي في تفاصيلها. فأحدثت نوعًا من دمجٍ الفردية التي تعودت عليها في عقلي بالجماعة. بالطبع يختلف الأمر عن المثالِ الذي طرحته والذي لن يُحدث ولو على المدى البعيدِ أي تغيير في نفس فتاة مصرية. ولكن مشاهدة فاعليات الثورة المتعاقبة عبر التلفاز وشاشات الكمبيوتر كانت تشبه إلى حد كبير متابعة لست أنا طرفًا فيها.

هذا ما علمته لاحقًا بالمناسبة بمرور الأيام فالشهور؛ فقد كنت أظن مشاركتي في التصويت هي حقًا مشاركة في التغيير المنتظر في بعد الثورة، ثم الانتخابات وما تلاها. كنت أجلس في مقاعدِ المشجعين البعيدة جدًا وأسدد بقدمي الهواء؛ ظانة أنني واحدة من أفراد الفريق. وحتى كلمة مشجعين في هذا المثالِ غير دقيقة على الإطلاق، كنت أجلس خارج الملعبِ كله ولا أرى اللعبَ الحقيقي على الإطلاق.

فلنترك الثورةَ وخيباتها، ونسلط الضوءَ في ما أحدثته في نفوسِ هذا الجيل الذي وُلد في الثمانينيات والتسعينيات. إحباط مترسب وغياب للمعنى، والرغبة المحمومة في البحث عن هذه المفاهيم الغائبة التي لم يذكرها لنا أهلونا من قبل، الرضا، الراحة، السلام النفسي، كل المفردات التي توضع تحت خانة تلك الكلمة غير المفهومة وهي السعادة. كلنا نتساءل؛ لماذا أنا غير سعيد؟ العاطل غير سعيد والذي يعمل بوظيفة أحلامه أيضًا. الأعزب غير سعيد والمتزوج أيضًا. الرياضي والكسول، المؤمن بدينٍ ما والكافر بكل الأديان. الملتزم بالاستقامة الاجتماعية كما يراها والمنحرف عنها. الكل لو سألته أسعيد أنت؟ الإجابة واحدة وهي أنه لا سعادة.

لطالما انتظرت تلك اللحظة؛ اللحظة التي سيتحقق فيها أمرٌ تمنيته طويلًا، لأقفز من السعادة ولا يغمض لي جفنٌ من الفرح. ولكنها لم تأتِ. ليس لأن الأمرَ لم يتحقق؛ على العكسِ فلقد تحققت الكثير من الأحلامِ والإنجازاتِ الفردية. ولكن لحظة القفزِ من السعادة هي التي لم تتحقق. ماذا إذًا؟ أماتت أنفسنا مللًا ولن يسعدها إلا عالم آخر؟ أعشنا أحداث هذا الفيلم مرارًا وانتهى دورنا فيه؟ ماذا ننتظر لنصبح سعداء إن تحقق بعض ما كنا نتمناه ولم نشعر بتلك الفرحة الغامرة تكسو أرواحنا! هل كبرنا على الفرحة مثلًا؟ أيكون هذ سببًا كافيًا لتعاستنا اليومية؟ هذا ليس عدلًا! أن نتمنى الأمنيات ونعيش أيامًا نحلم بلحظة تحقيقها، وحين نقترب منها أو نبلغها نصاب بالقلق والحيرة ولا تغمرنا الغبطة المتوقعة.

تخبرني صديقة أنها حين نجحت في الحصولِ على الماجستير من أرقى جامعات بريطانيا وهي لم تتخط السادسة والعشرين؛ بعد شهور من العذاب حرفيًا، لم تشعر بتلك السعادة المنشودة! وأخرى تجوب بلاد العالم، حاملة تعاستها معها، بالرغم من المشاهد الرائعة التي تراها عيناها فيصر قلبها على الإغفال عنها. وآخر يتزوج فتاة أحلامه، ويترقى في عمله، وعُبوس وجهه لا يتغير كلما جاء يومٌ جديد.

أين تلك الحلقة المفقودة المنشودة؟

تفسيري للأمر بسيط للغاية؛ فأنا أرى أن هذا الجيل قد تربى على النقص والاعتمادية، بدءًا من نقص المعلومات والثقافة والتجارب، وحتى الاعتماد المادي على الأهل. فكان جيلًا قاصرًا، جيلًا متأخرًا لا يكبر، لم يصل إلى النضج التدريجي المطلوب، سوى بصاعقة الثورة وما تلاها. فكان نضجه مفاجأة، وصدمة، وأمرًا مباغتًا غير متوقع بالمرة. وهنا أقصد الثورجي، والدولجي، وحزب الكنبة، والناشط، ولا أستثني أحدًا. الكل تفاجأ بقدرته على إحداثِ تغيير ما، أو فهم أمر يستعصي على الجيل السابق، أو الانخراط في أمرٍ جماعي كبير ذي تأثير عميق دولي وشعبي طويل المدى.

فانتقل من خانةِ المراهقةِ الفكرية وطفولة المشاعر والتوقعات، إلى المسؤوليةِ العاطفيةِ الكاملةِ عن ذاته، دون مقدمات.

تلك الصدمة أفقدته الانتقال الصحيح إلى معرفةِ مفهومِ السعادة، وتوقع شكل حقيقي لمشاعره في حالة الانتشاء والفرحة، بشكل ناضج وبالغ.

أرى أن البحث عن لحظة سعادة بلا انتهاء هو أمر غير ناضج بالمرة؛ فالمشاعرُ الناضجة لا تكون صافية أبدًا، ولا تتمتع بالنقاءِ مطلقًا. لذا فالسعادة تكمن في كلمة واحدة؛ ألا وهي الطريق. طريقي نحو تحقيق غايتي هو سعادتي، وليس الغاية ذاتها. اللحظاتُ القصارُ خلال الطريق، الإنجازاتُ الصغيرة، والضحكات، الذكريات، الأماكن، وكل ما يتخلل هذا الطريق. على سبيلِ المثال، لو كان حلمي أن أحصل على جائزةٍ أدبيةٍ رفيعة المستوى، لن تكون سعادتي هي لحظة تسلمي للجائزة، بل لب السعادة سيكمن في لحظات الكتابة، وأوقات الإلهامِ التي تداهمني في أماكن غير متوقعة كدرس اللغة، فأقوم بكتابةِ الوحي المقدس في كتابِ اللغةِ الألمانية. في لحظاتِ الترقب، لحظات قراءة المولودِ الأدبي، ولحظات انتظار نموه، وتمرده عليّ، ليتحول إلى كائنٍ مغايرٍ لما توقعته تمامًا، ثم لحظات حبي له، وفخري بأنني كنت السببَ في وصوله إلى الآخرين.

وحين توصلت إلى تلك الفكرة؛ هدأت نفسي الباحثة عن لحظة سعادة مطلقة لا حدود لها، ألا وهي أنه لو لم أستمتع كل المتعة بلحظات الطريق خلال بحثي عن الوصول إلى غاياتي؛ فلن أستمتع مطلقًا باللحظةِ التي ستتحقق فيها الغاية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

ملحوظة: مضمون هذا الخبر نقل من sasapost - community من خلال الرابط التالي sasapost - community ولا يعبر عن وجهة نظر خبر 24 وانما تم نقله بمحتواه كما هو ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا