الارشيف / المرأة / وكالة أخبار المرأة

ضريبة مجحفة ومؤلمة تدفعها المرأة على البدانة



تحقيق: يمينة حمدي - " وكالة أخبار المرأة "

تمثّل البدانة مشكلة العصر التي يعاني منها نحو 30 بالمئة من سكان العالم، وتساوي تكلفتها نحو 2.8 بالمئة من إجمالي النشاط الاقتصادي العالمي كل عام، غير أن ضريبتها الكبيرة على المرأة لا يمكن تقديرها بالأرقام.
وتُعرّف البدانة عموما بزيادة “مؤشر كتلة الجسم” عن النقطة 30، أما البدانة المَرَضية فهي تجاوز “مؤشر كتلة الجسم” عن النقطة 40.
ويُقاس مؤشر كتلة الجسم بتقسيم الوزن بالكيلوغرامات على مربع الطول بالأمتار. ويُعتبر الوزن مثاليا عندما يكون مؤشر كتلة الجسم ما بين النقطة 18.5 و24.9.
ورغم أنّ الوزن الزائد عموما يتسبّب في متاعب صحية لجميع من يعانون منه، إلا أن النساء البدينات قد يواجهن أعباء إضافية كثيرة، نتيجة الطريقة التي يتجاوب بها المجتمع معهن، وقد يلحق ذلك آثارا دائمة بصحتهن البدنية والنفسية.
وتتعرّض النساء البدينات للمضايقات الكلامية والنظرات الاستهزائية التي لا تؤثر على معنوياتهن فحسب؛ بل إن بوسعها كذلك التأثير على سلوكياتهن دون أن يدركن، ويمكن أن تجعل البعض منهن يواجهن مشاكل نفسية خطيرة تلازمهن طيلة حياتهن.
وبالرغم من عدم وجود إحصائيات دقيقة بشأن مدى تأثير البدانة حسب اختلاف الجنس، إلا أنّ عدّة أبحاث أجريت ببلدان مختلفة جاءت بنتائج مماثلة عن الضغوط التي تعاني منها النساء البدينات، وتجعلهن لا يسترحن لصورة أجسامهن في المرآة، وقد يدفعهن ذلك للبحث عن سبل لتحسين مظهرهن البدني، فيتبعن طرقا غير صحية في غالب الأحيان.
وأصبحت المرأة اليوم تعيش في عالم تتعرّض فيه لكم هائل من الإعلانات في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي تروج بلا هوادة لرسائل غير واقعية، وغالبا ما تكون تمييزية، حول كيف يجب أن يظهر الأشخاص خاصة النساء والفتيات.
وحتى في أماكن يفترض أنها خالية من التمييز، كالمدارس والجامعات قد تجد الفتاة البدينة نفسها هدفا للإساءة بسبب التركيز المتزايد على الرشاقة الجسدية، ما يدفع الكثير من الفتيات إلى التركيز بشكل مفرط على تغيير شكل أجسادهن.
أسطورة الجمال
 انتقدت الكاتبة والمستشارة السياسية للرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون نعومي وولف في كتابها “أسطورة الجمال: كيف تُستخدم صُوَرُ الجمال ضدَّ النساء” وليس لصالحهن. ووفقا لوولف، فإن أسطورة الجمال هدفها تقويض الحريات والحقوق التي نالتْها المرأة في العقود الأخيرة، فالقيود الاجتماعية التي كانت تحاصر حياة المرأة صارت اليوم تحاصرُ وجهها وجسدها.
وقالت الكاتبة “اليوم، تبحث المرأة عن مكانتها بين أجساد النساء الأُخريات. أما الجيل الذي سبقنا من النساء، فكنَّ يبحثنَ عن مكانة المرأة في المجتمع”.
فيما أشار طارق بالحاج محمد، الباحث التونسي في علم الاجتماع إلى أن “المرأة البدينة كانت ترمز عند الشرق وخصوصا العرب للأنوثة والشبق والاكتمال، لكنها أصبحت في المجتمعات العصرية تعاني من العنصرية والتمييز، ويصل الأمر إلى حد التنكيل بها معنويا والاستهزاء من مظهرها من دون مراعاة لشعورها أو حريتها وحقها في أن تكون كما تريد”.
وقال بالحاج محمد “إننا نعيش في عصر صناعة الصورة بامتياز بما في ذلك عصر صناعة الصورة النمطية للإنسان (المثالي)، عصر تغيّرت فيه العديد من القيم الاجتماعية والثقافية والذوقية وسيطر عليه التنميط والتعليب وقد شملت هذه التغيرات مسألة مقاييس ومعايير الجمال عند المرأة إلى درجة غلبت مقاييس التشابه والمحاكاة والتسليع والتشيئة للجسد، فتجد المرأة البدينة نفسها مقصاة في الفضاء العام والخاص على حد سواء”.
وأضاف “أصبحت النساء تستحوذ على نسبة 80 بالمئة من إجمالي عمليات التجميل مقارنة بالرجال لذا، فهن تعطين وزنا أكبر للمظهر الخارجي، إلى جانب رغبتهن في إرضاء الذكور ونيل إعجابهم بالمظهر الجذاب، وهذا ما جعل هذه الظاهرة تمثل مجالا خصبا للاستثمار الاقتصادي والإعلامي وحتى السياسي، وتجاوز الأمر مجرد وضع مساحيق التجميل، لتقبل النساء وبشكل كبير على كل أنواع الجراحات التجميلية، مثل زرع الشعر وشفط الدهون وإزالة البقع الداكنة من الوجه، وتكبير أو تصغير وشد الصدر”.
وتابع “العمليات التجميلية لم تعد تقتصر على النخب بل جذبت الجمهور النسائي العريض مستغلة في ذلك الهوس النسوي بالجمال، ما جعل أغلب النساء يحصرن اهتمامهن في دائرة ضيقة تبدأ من المظهر وتنتهي به ملغية عقلها وتفكيرها وخصوصيتها وفرادتها ومتشبّهة بنماذج وصور ربما لا تشبهها أو لا تناسبها”. وشدد على أن معظم النساء قد أصبحن نسخا متطابقة والشبه يكاد يكون واحدا بين المغنية المشهورة والمدرّسة والطبيبة وربة البيت”.
وختم بالحاج محمد بقوله “التجميل هو عملية تطبيق لمفهوم الجمال يرسم بها الإنسان قناعاته ويعكس بها ثقافته وأفكاره ويعبّر بها عن قضاياه، وليس مجرد تشبّه بصور المشاهير التي تسوّق في السينما والصحف والمجلات وعروض الأزياء، ومثل هذه الوضعية المربكة جعلت من البدانة في العصر الحالي مرادفة للإعاقة ومضادة للجمال وهو مفهوم خاطئ ومهين وعنصري”.
وأظهرت عدة دراسات أن التعرض للتقييم بناء على المظهر الخارجي يسهم في ما يعرف عند علماء النفس بـ”الإدراك التشييئي للجسد” وهو الإفراط في النظرة للجسد والمبالغة في تقييمه.
وبمجرد أن يبدأ القلق حول صورة الجسد تندفع المرأة نحو إعادة تشكيل جسدها وفقاً للمواصفات العالمية المحددة للجسد المثالي، والتي أصبحت هاجسا يؤرق النساء أكثر من الرجال، ويحدد طبيعة علاقتهن بذواتهن وبالآخرين، بل ويمكن أن تفقدهن فرصتهن في الحياة.
ورغم أن التمييز بسبب المظهر أو الجنس أو العمر أو العِرق أو الإعاقات البدنية… أصبح غير قانوني في عدد متزايد من دول العالم، بما فيها العربية، إلا أن العديد من الشركات والمؤسسات ترفض توظيف النساء البدينات أو تسرحهن من وظائفهن رغم أنهن قادرات على أداء عملهن بكفاءة.
وهذا يحيل على الأضرار الكبيرة التي تتعرض لها النساء اللواتي يعانين من البدانة أو من وزن زائد في سوق العمل، حتى وإن كنّ يمتلكن قدرات جسدية ومؤهلات علمية ومهارات اجتماعية جيدة.
التمييز الخفي
لم تخف شابة تونسية تدعى هدى تعرضها للتمييز بسبب وزنها الزائد رغم أنها فضلت إخفاء لقبها العائلي قائلة “لا أعتقد أنه من العدل أن أحرم من العمل في سلك بسبب بعض الكيلوغرامات الزائدة في جسمي، في حين أنني رأيت الكثير من رجال الأمن بدناء”.
وأضافت هدى“النساء يقيّمن دائما بطريقة مجحفة ففي مجتمعنا يطلق على البدينات الكثير من الأسماء والتعابير المهينة مثل (بناء فوضوي أو شركة لحوم متنقلة…) والأدهى والأمر أنني أسمع هذه الكلمات الجارحة من الأقارب رغم أن معاناتي من البدانة ناتجة عن خلل في توازن الهرمونات بجسمي”.
ودعت هدى في خاتمة حديثها لمناقشة هذا الأمر مع التلاميذ في المدارس، حتى يتمكنوا من تعلم احترام أنفسهم واحترام الآخرين.
فيما اعتبرت ابنة بلدها ألفة العيّاري الطالبة بالمعهد العالي للتنشيط الشبابي والثقافي بتونس أن المرأة معرضة أكثر من الرجل للتقييم بناء على مظهرها وليس على مؤهلاتها وصفاتها الشخصية.
وقالت العياري“معظم النساء يتُقن لجسم رياضي ورشيق، لكنهن لا يستطعن مقاومة إغراءات الأطعمة الدسمة والحلويات، كما لا يمارسن أي نوع من التمارين الرياضية، ما يجعل الدهون تتراكم في أجسادهن، وبالتالي يصبحن عرضة للمخاطر الصحية للبدانة”.
وأضافت “الكثير من النساء البدينات يتعرضن للسخرية من قبل الآخرين بسبب كتلة أجسامهن، وهذا قد يدفعهن إلى اتباع حميات تكون قاسية أحيانا، وجراء البدانة أيضا قد تصاب البعض منهن بأمراض نفسية ويعانين من مستويات عالية من القلق والحزن”.
وأسدت العياري نصيحة للمرأة البدينة قائلة “كوني قوية وواثقة من نفسك، وأحبي ذاتك كيفما كانت وأعملي على إرضائها، ولا تحاولي إرضاء الآخرين لأن إرضاء الناس غاية لا تدرك”، مشددة في خاتمة حديثها على أن وباء البدانة قاتل ويجب مقاومته باتباع نظام صحي عن طريق التقليل من تناول الخبز والإكثار من تناول السلطات والمشي لساعة يوميّا.
مشكلة العصر
تعتبر البدانة من أهم القضايا التي تواجه الأطباء حاليا، ولا تقتصر المشكلة على تزايد عدد من يعانون من زيادة الوزن حول العالم، بل وأيضا لأن الملايين من الناس قد أصبحوا منشغلين إلى حد الهوس بمشكلة الرشاقة وحميات تخفيف الوزن، ما أثر سلبا على صحتهم العقلية والنفسية، وخصوصا النساء اللواتي يبحثن عن مبدأ الجسم العصري والرشيق.
وكشف مسح إحصائي أن نحو 80 بالمئة من النساء يفكرن يوميا بشكل أو حجم أجسادهن وأوزانهن، ويعتقدن أن النحيفة أكثر جاذبية للرجال من غيرها.
وأظهرت الإحصائيات أيضا أن ما يقرب من ثلثي النساء يعتقدن أن نوعية حياتهن ستكون أفضل بكثير لو كن رشيقات، ولهذا جربت نحو 82 منهن الحمية الغذائية عشر مرات على الأقل في حياتهن، لكن معظم من حاولن ممارسة الحمية الغذائية قلن إنهن عدن إلى زيادة الوزن من جديد بعد التخلّي عنها.
وشددت منال مرغلاني، استشارية الطب النفسي المتخصصة في اضطرابات الأكل وعلاجات السمنة بالسعودية، على أن البدانة مرض مزمن وله مضاعفات خطيرة قد تؤثر على جودة الحياة عموما، ويمكن أن تكون قاتلة على المدى البعيد.
وقالت مرغلاني “السمنة مشكلة متنامية وهي السبب في تعاسة الكثيرين، بالإضافة إلى أنها تشكّل عبئا على الخدمات الصحية في العديد من الدول”.
وأضافت “السمنة يمكن أن تصيب المصابين بها من مختلف الأعمار بالعزلة الاجتماعية وقد تؤدي إلى سلسلة من الأمراض النفسية، مثل الرهاب الاجتماعي والقلق والاكتئاب وانعدام الثقة وغيرها…”.
وتابعت “هناك مضاعفات اجتماعية مختلفة وكثيرة للسمنة منها الانقطاع المبكر عن الدراسة، وقلة فرص الخطوبة والزواج وفرص العمل…”.
وأشارت مرغلاني إلى أنّ المرأة البدينة تتعرض للتمييز أكثر من الرجل في سوق العمل، مشددة على أن مثل هذا الأمر منتشر في الشرق الأوسط، وفي جميع أنحاء العالم، بالرغم من القوانين التي سنّتها البعض من الدول لحماية حقوق المصابين بالبدانة.
وأوضحت “هذا النوع من التمييز يؤثر على المستوى المادي للنساء البدينات ويعيقهن عن العمل والإنتاج والتفوق، وقد يصيب الكثيرات بالاكتئاب والقلق والأكل البنجي (الإفراط الشديد في تناول الطعام)، فيما تؤدي الحميات القاسية وغير المدروسة إلى إصابة البعض من النساء البدينات باضطرابات الأكل التي تؤثر على صحتهن البدنية والنفسية مثل: البوليميا (الشراهة في تناول الطعام تُتبع بالتفريغ). ومتلازمة الأنوركسيا (فقدان الشهية) والأكل الليلي (الشراهة ليلا) والأكل العاطفي (الإفراط في تناول الطعام لتخفيف المشاعر السلبية)…”.
وختمت مرغلاني بقولها “نحن في أمسّ الحاجة إلى ابتكار طرق جديدة لتحسين الخطاب الصحي الموجه للناس العاديين حول مخاطر السمنة حتى يتمكّن الجميع من التفكير بالحاضر والمستقبل”.
يبدو أنه لا أحد يستطيع أن يخالف رأي المختصين بشأن المخاطر الصحية للبدانة، مثل زيادة احتمال الإصابة بالسرطان والسكري والكوليسترول وضغط الدم وأمراض أخرى عديدة… لكن كل الأدلة تؤكد أيضا أن الطريق ما زال طويلا لمقاومة التمييز المتعدّد الأشكال ضد المرأة، فالوصمة الاجتماعية للبدانة قد تجعلها أيضا أقل ميلا إلى تعديل نمطها الغذائي، ليصبح أكثر صحة، وكل ذلك يزيد من مخاطر تعرّضها للمرض النفسي والبدني.

ملحوظة خبر 24 | اخبار على مدار 24 ساعة : انقر هنا وكالة أخبار المرأة لقراءة الخبر من مصدره.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا