فن / ارجيك - فن

فيلم The Killing of a Sacred Deer: ماذا لو كان عليك التضحية بفرد من عائلتك لينج الباقيين؟!

  • 1/14
  • 2/14
  • 3/14
  • 4/14
  • 5/14
  • 6/14
  • 7/14
  • 8/14
  • 9/14
  • 10/14
  • 11/14
  • 12/14
  • 13/14
  • 14/14



كل شخص منا يرى نفسه في صورة ما، يظن أنها تُمثله بكل ما يحمل من طباع ومميزات، صورة ليست مثالية بالطبع لكنها ورغم كل ما بها من عيوب لا تكون على قَدر من السوء يجعلنا لا نستطيع التعايش مع حالنا أو نعجز عن مُطالعة أنفسنا بالمرآة، يظل هذا هو الحال حتى يتعرَّض الفرد منا لفجيعة ما، تجربة قاسية تقلب حياته تمامًا  فتجعله يظهر على صورته الحقيقية التي ليست بريئة على الإطلاق.

يبدو أن (يورجوس لانثيموس) مؤلف ومخرج الفيلم يؤمن بالفكرة السابقة إلى الحَد الذي يجعله يُصر على تلقيننا إياها بكل الطرق عبر أفلامه ذات طابع الرعب النفسي الموتِّر للأعصاب وغير المُتوّقّع:

مخرج فيلم The Killing of a Sacred Deer

بدايةً من فيلمه (Dogtooth) (إنتاج 2009) الذي كان خامس فيلم يوناني بتاريخ السينما يترشح لجائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي وقد فاز الفيلم وقتها بجائزة مسابقة “نظرة ما” بمهرجان كان. أما عن قصته فيحكي عن أب وأم لديهما ثلاثة أبناء يعيشون جميعهم في منتجع ريفي محاط بالأسوار لا يدخله أو يخرج منه سوى الأب، حيث منع الوالدان أولادهم من معرفة أي شيء عن العالم الخارجي سوى ما يخبرونهم هما به. الغريب أنهما يتعمدون تلقين أطفالهم معلومات خاطئة ومصطلحات في غير معناها الصحيح، لكن مع وصول البعض للبلوغ يبدأ التمرد في الازدياد مع إصرار الأب على كَون السور لن يتخطاه إلا مَن فقد أنيابه.

ثم فيلم فهو (The Lobster ) (إنتاج 2015) والذي حصد جائزة لجنة التحكيم بمهرجان كان ويحكي عن دستوبيا أي شخص فيها يعيش بلا زوج يذهب إلى فندق ما بحثًا عن شريك للحياة يُشبهه بشيء ما حَد التطابق، أمام هذا الشخص 45 يومًا فقط إذا مروا دون العثور على شريك يتم تحويله إلى حيوان من اختياره. وعلى النقيض هناك مجموعة أخرى مِن البشر تضُم مَن استطاعوا الهروب من هذا الفندق واختاروا العيش بالغابة فرادى تمامًا –هذا هو قانونهم- فإذا مال شخص منهم نحو آخر كان مصيره الموت وبين هنا وهناك يعجز البطل عن إيجاد نفسه أو التصالح مع مصيره المفروض عليه.

بوستر فيلم The Killing of a Sacred Deer

وها هو يؤكد على فكرته من جديد بآخر أفلامه (The Killing of a Sacred Deer) (إنتاج 2017) والذي يدور حول ستيفن ميرفي، رجل يعمل كجراح قلب ناجح، يعيش مع أسرته الصغيرة المكونة من زوجته آنا طبيبة العيون، كيم الفتاة ذات الرابعة عشر التي تُغني في كورال ما، وبوب الطفل ذي العشر سنوات، يعيشون جميعهم حياة تبدو مُرفهة وسعيدة رغم عاديتها الشديدة.

وهناك مارتن شاب مراهق في السادسة عشر من عمره، توفى والده على طاولة العمليات تحت يد ستيفن، يُعاود مارتن الظهور في حياة الطبيب بعد مرور سنة ونص على وفاة والده وشعورًا من الطبيب بالتعاطف أو رُبما الذنب يرتبط بعلاقة بالصبي، فيبدأ في مساعدته ماديًا أحيانًا أو مُهاداته أحيانًا أخرى بينما يقضيان الكثير من الوقت يتسكعان معًا، وبعد فترة يُقرر الطبيب أن يُقدَّم مارتن لأسرته.

كولن فيرل مسلسل The Killing of a Sacred Deer

(تنويه: الفقرة القادمة بها حرق بعض الأحداث)

يلتقي مارتن بالأم والأبناء بالفعل وينجح في اكتساب محبتهم، بعدها يدعو مارتن الطبيب لزيارته بمنزله هو الآخر وهناك تتحرش الأم بالضيف ويُعلن مارتن إيمانه بفكرة كون أمه والطبيب مناسبان لبعضهما البعض، يرفض ستيفن العرض الغريب مؤكدًا  على أنه رجل سعيد في زيجته ثم يبدأ في التهرَّب من لقاء مارتن مرة أخرى.

فجأة يُصاب بوب بالشلل!! يتم إجراء كل الفحوصات الطبية اللازمة عليه لكن ما مِن سبب طبي مفهوم لما آل إليه، هنا يُخبر مارتن ستيفن أنه قد حكم على طفليه وزوجته بالموت -انتقامًا منه لتسببه في موت والده- إذ سيصابون بالشلل ثم يمتنعون عن الطعام بعدها ينزفون من أعينهم ثم يموتون!

طريقة واحدة يملكها الطبيب لإنقاذ أسرته بأن يختار فردًا واحدًا من الثلاثة فيقتله بنفسه لينقذ الاثنين الآخرين، فيُوضع الأب على المَحَك بينما يُشاهد أسرته تنهار من حوله في الوقت الذي يُحاول كل فرد من الثلاثة استغلال “كارت الحُب” في كَسب تعاطف الأب أو رضاءه كي لا يكون هو الضحية المُختارة وتتوالى الأحداث.

فيلم The Killing of a Sacred Deer

بوستر فيلم The Killing of a Sacred Deer

فيلم إنتاج مشترك بين بريطانيا، أمريكا وأيرلندا، ينتمي لفئة الرعب النفسي والدراما والفانتازيا، من ﺇﺧﺮاﺝ يورجوس لانثيموس وتأليفه بالمشاركه مع إيفثايميس فيليبو، أما البطولة فلــ: كولين فاريل في ثاني تعاون له مع المخرج، شاركه البطولة نيكول كيدمان، أليسيا سيلفرستون، رافي كاسيدي، بيل كامب، وباري كيوجان.

عُرض الفيلم لأول مرة بمهرجان كان، تلا ذلك العديد من المهرجانات في حين عُرض العمل بمصر ضمن الدورة العاشرة لبانوراما الفيلم الأوروبي، أما على مستوى العالم والسينمات فجاء عرضه في نوفمبر الماضى. وقد حاز الفيلم حتى الآن على تسع ترشيحات لجوائز من مهرجانات مهمة متنوعة فاز منهم باثنتين.

أهمهما كانت جائزة أفضل سيناريو من مهرجان كان السينمائي الدولي- مناصفةً مع فيلم You Were Never Really Here- ، بينما بقت خمسة جوائز لم يُحسم أمرها بعد، كذلك لاقى الفيلم –رغم غرابته- استحسان معظم النقاد والجمهور وإن كان قُوبل في ختامه بمهرجان كان بصفير الاستهجان بسبب نهايته المُزعجه.

جوائز فيلم The Killing of a Sacred Deer

جدير بالذكر أن عنوان الفيلم مأخوذًا عن أسطورة يونانية بعنوان Iphigenia in Aulis أو قتل الغزالة المقدسة، ويُعَد الفيلم بمثابة مُعالجة معاصرة لهذه الأسطورة التي تحكي عن ملك إغريق يقتل غزالة كانت ترعى بالغابة وجزاءً على هذه الفعلة يصبح مُضطرًا للتضحية بابنته إرضاءً للإلهة أرتيميس وإن كانت نهاية الأسطورة تختلف عن نهاية الفيلم.

القصة والسيناريو والحوار

يبدأ الفيلم بمشهد لعملية جراحية تُجرى على قلب مفتوح في مشهد رغم كونه دمويًا لكنه يُجبرك على المشاهدة من فَرط هشاشة وجلالة الحَدَث ليظل المُشاهد في انتظار لحظة تتوتر فيها الأحداث قبل أن ينتهي بشكل عادي بينما الجراح يُلقي قفازات الجراحة في سلة المهملات دلالةً على ما سيقوله البطل لاحقًا لزوجته  بأن دم المريض لا يكون أبدًا على يد الجراح.

بعدها يأخذنا الفيلم إلى حوارات عادية جدًا وشديدة الروتينية، حوارات نُجريها نحن أيضًا كل يوم مع أصدقائنا وأفراد عائلتنا، رُبما الشيء الوحيد المُثير للشك والاستغراب هو علاقة الطبيب بمارتن، التي ورغم عاديتها الظاهرة هي أيضًا لكن هناك شيئًا ما غير مُبررًا يجعل تلك العلاقة تبدو غير مُريحة وتفتقد إلى المنطقية.

بوستر The Killing of a Sacred Deer

فيلم ممل عن قصد أم عن خطأ؟

هذه العادية في الحوار بقَدر ما قد يظنها البعض مملة لكنها في الحقيقة تُرسِّخ لفكرة أن هذه القصة قد يكون بطلها أي شخص، فهي لا تحتاج لأبطال شديدي الثراء والوسامة أو يعيشون حياة خارج الصندوق ليختبرون مساوئها، حتى الشخص “الشرير” نفسه في مشاهد أخرى سنجده يبدو لطيفًا للغاية وإنسانًا طبيعيًا، كل ما في الأمر أنه تعرَّض لأزمة جعلته ماهو عليه، وهو ما يجعل من الصعب علينا معرفة كنه ردود أفعال هؤلاء الأشخاص العاديين جدًا تجاه حدث جلل كالذي سيحدث ما يُزيد من توترنا وإحساسنا بالخطر.

ذلك بالإضافة لكَون فكرة الأحداث هامشية جدًا يمنعنا من تفضيل شخصيات عن غيرها أو أن يكون ولاءنا لفرد بعينه، ما يجعلنا نحن أيضًا أحد أطراف الاختبار القادم، لتصبح كل المشاهد التقليدية في نصف الفيلم الأول بمثابة تمهيد وتجهيز لنا على نار هادئة للفاجعة، أما في النصف الثاني فتزداد حدة وتيرة العمل مع تسلسل الأحداث بشكل مُرعب خاصةً مع المواجهات الكثيرة في ظل سرد درامي تصاعدي لا ينتهي إلا بكلمة النهاية على الشاشة.

ينتهي الفيلم ولا ينكشف السر!

جدير بالذكر أن صناع الفيلم لم يعنون بتفسير الظاهرة الغريبة التي ألحقها مارتن بالأبطال ولا كيف كان بإمكانه شفائهم منها متى استطاع، كما لو أن هذا ليس هو التساؤل الحقيقي الذي علينا أن نقف عنده، حتى أن الأبطال أنفسهم تجاوزوه بسرعة لأن إجابته لن تُشكل فارقًا في شئ.

أما الأسئلة التي وجدها صناع العمل تستحق الطرح فعلاً هي: “ماذا لو صار علينا دفع ثمن خطأ ارتكبناه سابقًا، إلى أي مدى قد يأخذنا ذلك وهل نمتلك الشجاعة لدفع الثمن فعلاً؟ والأهم  ماذا لو كان هذا الثمن يَعني التضحية بفرد من العائلة لينج الباقيين؟!”

ما بين الإخراج والتصوير السينمائي

صور فيلم The Killing of a Sacred Deer

قام بالتصوير السينمائي ثايميوس باكاتاكيس، مدير التصوير الذي يتعامل مع المخرج يورجوس لانثيموس في أفلامه، وقد نجح الاثنان معًا في أن يبدو كل مشهد مهمًا في ذاته حتى ولو لم يكن كذلك. تنوعت المشاهد بين كادرات مأخوذةً من بعيد-بعضها بدا أبعد من اللازم- كما لو كانت الكاميرا بطلاً ضمن الأبطال، تتصرف تمامًا كراوٍ يُراقب من بعيد فيُسجل الحركاتهم والخلجات دون أن يكون طرفًا بالأحداث مؤكدًا على رغبة المخرج في أن يجعلنا على الحياد أو على الأقل لا يُملي علينا مشاعر بعينها واضعًا مسافة شاسعة بيننا وبين أبطاله.

ظهر ذلك بوضوح في معظم المشاهد التي كانت تدور بالمستشفى أو لقاءات الطبيب الخارجية بمارتن في النصف الأول من الفيلم، وهناك كادرات أخرى –أقل نسبيًا- كانت فيها الكاميرا تقترب من الوجوه بشكل واضح لالتقاط أدق التفاصيل، حدث ذلك أكثر في المواجهات سواء بين البطل وزوجته أو بين البطل ومارتن أو حتى زوجته مع مارتن.

ورغم طول مدة العمل وروتينية حواراته إلا أنه لم يكن مُملاً خاصةً مع وجود أكثر من ماستر سين بالعمل، فهناك مثلاً مشهد المواجهة بالقبو بين الطبيب ومارتن، المشهدين النهائيين واللذان يستحقان كتابة الكثير عنهما لولا عدم الرغبة في حرق النهاية. بالإضافة لأكثر من مشهد مهم. رُبما المشهد الوحيد المُخيب لآمال كان لحظة كشف مارتن للطبيب عن خطته إذ حدث ذلك بسرعة ودون ردود فعل مناسبة وواضحة،في حين كان المشهد يستوعب أن يخرج منه أكثر من ذلك.

أوجه التشابه بين  فيلمي The Killing of a Sacred Deer وفيلم Mother

فيلم The Killing of a Sacred Deer و فيلم mother

صدقوا أو لا تصدقوا بكل ما يحمله فيلم “Mother” من غرابة حَد تصنيف البعض له كفيلم لن يتكرر أبدًا، إلا أن هناك أوجه شبه عديدة بينه وبين الفيلم الذي نناقشه اليوم لدرجة مُثيرة للتأمل! فالعملين ملحميين ويحملان من خلال قصة عادية الكثير من الرمزية، فيتناولان فكرة الفداء وإن اختلفت الأسباب، ضاربين مثالاً صارخًا لكيف يمكن لأحدهم التضحية بأكثر الأشخاص الذين يحبهم بحياته من أجل مصلحته الشخصية.

وإذا دققنا النظر أكثر فيما يخص الرمزية، فمثلما وجد بعض النقاد بطل Mother  يُجسد شخصية الإله داخل الفيلم، يُمكننا أن نظن هنا أو على الأقل نتساءل إذا ما كان مارتن هو الرب أيضًا! ذلك الإله الذي يسعى للعدالة مهما بدت قاسية وحادة وغير مفهومة لكنها تأتي في معناها المُجرَّد، خاصةً إذا وضعنا في الاعتبار اختيار مارتن لفيلم Groundhog Day كفيلمه المُفضَّل، وإصراره على مشاهدته مع البطل وتوقفه تحديدًا عند المشهد الذي يقول فيه بطل الفيلم:

  How do you know I’m not a god?

التمثيل

كما ذكرنا بالسابق لمعظم الوقت بدا تمثيل الأبطال كما لو كانوا يقومون بتقديم أدوار أشخاص غيرهم، كأنهم يلعبون الشخصية دون الغَوص فيها، جعل ذلك انفعالاتهم تبدو أقل حدةً مما يستدعيه الموقف سواء انفعالات الطبيب فَور علمه مصير أولاده، أو انفعال الأب والأم تجاه مرض أولادهم، أو حتى انفعال الأبناء أنفسهم تجاه فكرة أنهم مُعرضين للموت!

لكن مرة أخرى أظن أن ذلك كان مقصودًا وليس سوء آداء أو برودًا من طاقم التمثيل كما لو أن مخرج العمل فعل ذلك قاصدًا ليؤكد على أننا حتى ولو كان لدينا كل شيء نتمناه فإن روتينية الحياة وعاديتها المُفرطة لا تلبث أن تُفقد أصحابها الشغف والحيوية، يظل هذا الآداء قائمًا إلى أن يأتي ما يُهدد الحياة بشكل مُباشر وحقيقي.

وهذا يُفسِّر التحولات التي حدثت بالشخصيات على مدار الفيلم وإن كانت ليست تحولات جسيمة ظاهرة،كما لو كان موت الروح تغلغل بداخلهم، فهم فقط يُريدون العَيش بدلاً من اختبار الموت وليس للاستمتاع بالحياة، يتضح ذلك أكثر في مشهد النهاية فنرى الأبطال على قيد الحياة لكنهم تمامًا كالموتى.

كولين فاريل في دور (الطبيب/الأب)

كولين فاريل فيلم The Killing of a Sacred Deer

يبدو أن كولين يفهم جيدًا ما يدور برأس المُخرج لدرجة اختيار المخرج له لتكرار تجربة العمل معه مرة أخرى بعد قيامه ببطولة فيلم The Lobster، هنا في هذا الفيلم يلعب كولين دور صعب وناضج يُضاف لمسيرته الفنية، إذ يؤدي شخصية انفعالاتها داخلية فلا يُظهر ما يدور برأسه من خلل تصرفاته، يل يتظاهر بالعادية والبساطة رغم أن بداخله يُدرك كونه المسئول عن حدوث تلك المأساة لعائلته وهو ما يجعل الدور صعب ويتطلَّب مجهودًا مُزدوجًا كي يُصدقك الجمهور.

فالأب هنا هو شخص عنيد، يُجيد إخفاء الأسرار عن الجميع حتى أقرب الناس إليه، ورغم قُدرته على إنكار الخطأ الذي ارتكبه، إنكاره حتى على نفسه كي لا يسقط فريسة الشعور بالذنب إلا أنه من داخله يُدرك كونه مسئولاً عن موت مريض على طاولته وهو ما يُبرهن عطفه على الشاب وإدخاله حياته. وعلى كلٍ فإن كان البطل قد نجح في تناسي ما حدث بالسابق فما سيحدث له لاحقًا يضمن للمُنتقِم ألا ينسى أبدًا ما ستقترفه يداه حين يتخذ قرارًا مأساويًا كالذي فُرض عليه ليُحكم عليه أن يعيش بالذنب مُضاعفًا حتى الموت.

نيكول كيدمان في دور (الأم)

نيكول كيدمان فيلم The Killing of a Sacred Deer

في السنوات الأخيرة ظهر النضج الفني على نيكول كيدمان من خلال الاختيارات الذكية التي تُقرر لعبها على الشاشة، خاصةً مع كونها كلها أدوار مهمة وضخمة تتطلب منها الشغل على نفسها وإخراج أفضل ما لديها، وقُدرات لم نكن نعرف أنها تملكها من الأساس.

في هذا الفيلم تلعب نيكول دور الأم، الطبيبة التي تتعامل مع المواقف من مُنطلق عملي بحت فلا تنخرط عاطفيًا مع الأشياء، نُشاهدها  تتصرف كروبوت خارق يُمكنه أن يفعل كل شيء لكن بأقل قدر من الروح، حتى أنها حين تمارس الجنس مع زوجها تفعل ما يُفضله هو فيتم تخديرها بالكامل بينما ينال الزوج متعته مع تلك الجثة الهامدة على الفراش!

كل ذلك جعل من المنطقي –وإن كان غريبًا- أن تكون شخصية جامدة المشاعر حتى حين يسقط أبنائها مرضى تتعامل مع الأمر كطبيبة وممرضة أكثر من كونه كأم، فلا تبكي تقريبًا سوى مرة واحدة فقط على مدار الفيلم، تلك المرة التي تتأكد فيها أن الأمر حتميًا فعلاً وأنهم بين شقي الرُحى، وإن كانت سرعان ما تعود لطبيعتها الأولى فتُحاول النجاة بحياتها من خلال إقناع زوجها ألا تكون هي الضحية المختارة مُعللةً ذلك بأن بإمكانهم الإنجاب مرة أخرى لذا الأسهل التضحية بأحد الأبناء، وحتى حين تُحاول استعطاف الشاب والانكسار أمامه تفعل ذلك في هدوء ووعي وتذلل مشروط وقصير.

رافي كاسيدي (الابنة)

الابنة فيلم The Killing of a Sacred Deer

نجحت رافي بأول الفيلم في لعب دور الفتاة البريئة ذات الملامح الملائكية، تلك الفتاة التي تعشق الغناء ولا تعرف ما يجب أن تكُلم فيه الغرباء وما يجب أن تحتفظ به لنفسها من قلة خبرتها الحياتية في التعامل مع آخرين، ما نتج عنه أن تنجذب لأول شاب يلتقي بها ويقص على مسامعها تجاربه الساذجة.

تقع الابنة في حُب مارتن فتبدأ في التحول تدريجيًا للنسخة الأسوأ منها، تُدخن، تُهين أمها،بل وتتواطأ مع مارتن في خطته أو على الأقل لا تجد غضاضة في أن تظل تُحب الشخص الذي دمر عائلتها، ويصل بها الأمر حَد إدخالها فكرة أن الابن هو الذي سيموت لا محالة في ذهن شقيقها مُتعاملةً مع موته بأريحية تُثير الحنق والدهشة من فرط التحول في السلوك، وقد عرفت رافي –إلى حدٍ ما- كيف تُظهر ذلك من خلال لغة الجسد والانطباعات الصادرة منها وإن كنت أظن أن هذا ليس أفضل ما لديها بالتمثيل.

 سوني سولجيك (الابن)

صورة فيلم The Killing of a Sacred Deer

نجح سوني في أن يجعلنا أكثر تعاطفًا معه رُبما لطبيعة دوره، فهو أول من تعرض للكارثة بمختلف مراحلها، كما أنه الشخص الوحيد الذي دارت حوله الدوائر وكان الجميع على استعداد للتضحية به دونًا عن الآخرين، ليصبح من المُحزن مشاهدته يستجدي الأب مُحاولاً التقرُّب منه عساه لا يقتله هو، أو رؤيته ينزف من عينيه، بجانب نظراته بمشهد ما قبل النهاية. لذا يُمكننا القول أن سوني عرف -رغم صغر سنه- كيف يلعب شخصية اللامبالي أولاً ثم المنكسر ثانيًا وصولاً للمستسلم بالنهاية، لاعبًا مُعظم دوره بنظرات العيون أكتر من كونها جملاً حوارية.

باري كيوجان (مارتن)

يُمكن القول أن باري هو الأفضل تمثيلاً ضمن طاقم التمثيل كله، إذ نجح في لعب دور الفتى المُضطرب نفسيًا ورغم وجوده المُسالم والصامت بأغلب المشاهد وملامحه الهادئة إلا أنه نجح في أن يجعل وجوده موترًا ومُثيرًا للأعصاب بمجرد نظرات العيون حتى وإن لم يقل شيئًا، بل ومن فرط صدق آداءه تصبح فكرة مشاهدته في عمل فني آخر مُثيرة للغثيان ومُرعبة تمامًا كشخصية (رامزي) في صراع العروش إذا كنتم تفهمون ما أعنيه، لكل ذلك لن يكون غريبًا إذا ترشَّح عن دوره لأوسكار أفضل ممثل مُساعد.

الإضاءة

الإضاءة فيلم The Killing of a Sacred Deer

لعبت الإضاءة دورًا هامًا مُدعمًا للتسلسل الدرامي بالإحداث، فقبل الحادث جاءت معظم المشاهد إما خارجية ذات إضاءة نهارية أو داخلية بالمستشفى حيث الأروقة البيضاء المتسعة، أما في المنزل فالإضاءة دافئة مُشمسة صباحًا إذ تدخل الشمس المنزل بكافة الحجرات أما ليلاً فالضوء الأصفر بحميمته يغلب على المشاهد، بينما تصبح المشاهد بعد الحادث ليلية مُظلمة أو يغلب عليها اللون الأزرق الموحي بالوَحشة والكآبة وشبح الموت الذي يُخيم بالأرجاء.

الموسيقى التصويرية

جاءت الموسيقى متنوعة بين مقطوعات تجمع بين العنف، الغضب والخشونة فجاءت موترة للأعصاب وبالتالي مُكملة للحالة النفسية بالعمل وإن كانت في السينما بسبب المؤثرات الصوتي بدت أحيانًا مُزعجة، وهناك كذلك مقطوعات أخرى كانت بالغة الشجن والحزن لائمت المشاهد التي ظهرت بها، لذا يُمكننا القول أن الموسيقى بشقيها أُحسن توظيفها بالفيلم.

بوستر فيلم The Killing of a Sacred Deer

“اللهم نجنا من الشرير”

الكثيرون منا يُرددون هذه الصلاة دون أن يتصورون يومًا أنهم رُبما هم هذا الشرير الذي كان عليهم أن يخافونه فعلاً.. حسنًا، هذا الفيلم يلعب على هذه الثيمة.

ثيمة “ماذا لو وُضعنا على المحك فاكتشفنا أننا مُجرد همج وبدائيين من داخلنا، وأن كل ما نُردده من شعارات رنانة عن الإنسانية، إيماننا بحقوق الآخر، قُدرتنا على التسامح وإنكار الذات، كل ذلك مَحض هراء، وأن الشيء الوحيد الذي ننتصر له حقًا هو رغبتنا في البقاء على قَيد الحياة في معناها الحرفي فاعلين ما يضمن لنا ذلك سواء من خلال التضحية أو الثأر!”.

إذا كان لديكم أي تشكيك في هذه الثيمة عليكم مشاهدة  The Killing of a Sacred Deer ذلك الفيلم “المُزعج”، نعم هذا هو الوصف الأمثل له، ذلك لأنه مُزعجًا نفسيًا للدرجة التي تجعلك تقضي الفيلم غائصًا في مقعدك تتمنى لو أن الأرض تبتلعك فلا يصبح مُحتمًا عليك استكمال مشاهدة هذه المأساة خوفًا مما سيحدث. ثم متى انتهيتم منه ستتفاجأون بأنه لم ينته منكم، إذ سيظل مُلازمًا لعقولكم مُثقلاً إياها بعشرات الأسئلة، تاركًا في أجوافكم غصة، ورغبة في التلاشي خوفًا من أن تكونوا أنتم أيضًا يومًا ما مكان البطل.



ملحوظة خبر 24 | اخبار على مدار 24 ساعة : انقر هنا ارجيك - فن لقراءة الخبر من مصدره.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا